![]() |
![]() |
رواية مركبة بمعمار محكم ورؤى فلسفية وجمالية
كيف يستطيع ذلك الوحش المدعو اندريه جيكاتيلا اغتصاب وقتل 53 صبية وصبي في الاتحاد السوفييتي خلال سنوات طويلة ولم تستطع الشرطة السوفيتية ان تمسك به وهي القادرة على إلقاء القبض على من يتفوه بكلمة واحدة صغيرة في الريح ضد نظامها الذي يمتلك صواريخ عابرة للقارات وسفنا تدور في الفضاء؟ قد تبدو هذه الرواية للبعض رواية بوليسية, او سيكولوجية لكني أراها رواية مركبة بمعمار محكم جمع بين أساليب كثيرة وعميقة ورؤى فلسفية وجمالية لا يطالها الا كاتب ذو تجربة خاصة, حدق بموضوعه سنوات طويلة, مستنفرا طاقاته الروحية والفكرية كلها!
قبل اكثر من ربع قرن التقيت احمد النعمان في موسكو, وقد وجدته مستغرقا باهتمامات جادة كثيرة: مواصلة إبداعه التشكيلي الذي درسه في بغداد وأكمله في موسكو, ومحاولة تحليل الظواهر الجديدة أو الغريبة في البناء الاشتراكي السوفيتي, منعكسة في حياة الناس مسببة لهم الكثير من المآسي و المعانات الأليمة والتي عليهم ان يعانوها بصمت وتكتم, ثم مواصلة عمله الصحفي, ومراسلة العديد من الصحف العربية والمجلات والإذاعات, والتي تزيده اقترابا من تلك المعضلات ومراكز القرار التي تلعب دورا في صنعها او تدعي محاولة حلها عبثا, مستمتعا برفقة العديد من المثقفين و الكتاب السوفيت والعرب و العراقيين وفي مقدمتهم غائب طعمة فرمان والذي ألف عنه كتابا سيظل مرجعا هاما لمن يريد التوغل في دراسة نتاجه! لقد قضى النعمان اكثر من ثلاثين عاما يتأمل تجربة بناء الحياة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي بعينين متألقتين بنورهما الخاص بعيدا عن العدسات اللاصقة التي تفرضها على العيون عادة الأحزاب الشقيقة لحزب الكرملين, لقد كان يرقب بخيبة فاجعة ما ينخر ذلك المجتمع الذي اسسه الثوار التاريخيون الحالمون بعالم جديد, بينما كان الوحش المدعو اندريه جيكاتيلا تحت سطح الظواهر يتكون شبحا سيحمل في جوفه كل قيح وصديد النظام الاستبدادي والقمعي الذي وأد ذلك الحلم الجميل الذي تطلعت اليه مئات الملايين في العالم كله. لقد كانت مأثرة النعمان في هذه الرواية المدهشة انه وضع يده على شخصية هذا الوحش مدركا بالهام فريد انه المعادل الموضوعي لخلاصة كل الشرور التي ينتجها النظام الشمولي والتوجه الدكتاتوري الأعمى, حين يسحق روح الانسان وحريته ومبادرته! لقد كان سقوط اندريه جيكاتيلا عشية سقوط النظام السوفييتي الذي شاخ وتورم واحتقن بمشكلاته المستعصية. أهي مصادفة أم تلازم عضوي؟ هذا ما تتركنا الرواية امامه, متأنية حذرة متوخية منتهى الجمال والعدل في ان نسأل هل يمكن للنوايا الطيبة ان تنتج وحشا مثل أندريه جيكاتيلا؟ رواية لا غنى عن قراءتها لمن يريد ان يعرف اخطر ظواهر وحقب عصرنا!
ابراهيم أحمد
أديب عراقي من منفاه في السويد